مصطفى صادق الرافعي

61

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الزمان في عمله وآثاره ، لأن الذي أنزله بعلمه وقدّره بحكمته إنما هو خالق الزمن نفسه ، فهدم في نفوس العرب ، وكان هدمه بناء جديدا جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها ، وبذلك أحكم عمل الوراثة الذي تعمله في الغرائز والطباع ، إذ تبني بالهدم ، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ ؛ وهذا هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي . وبين شيء يسمى ممكنا وشيء يسمى معجزا . بلى ، ولقد يخيل إليّ أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي لا تزال تطيف بالرءوس . فما بين العقل وبين أن تلجه هوادة ، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه منزلة ، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظرا يقبلونه أو يردونه ، ولكنهم يرونه ضرورة مقضيّة ليس لهم على حال بد من قبولها . وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم ، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب بعضهم الذلة على بعض ؛ ولم يتخذوا السيف نابا إلا ليأكلهم ، ولا الحرب ضرسا إلا لتمضغهم . . . وكانوا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية . ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت ، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطّود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين ، إن يكن منها فهو لعمرك استخذاء ، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء . . . ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها « 1 » إلا عصبية الروح « 2 » إذ أخذهم بالفطرة حتى ألّف بين قلوبهم ، وساوى بين نفوسهم ، وأجرأهم على المعدلة في أمورهم ، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت ، لأنها لا توجهه إلا للّه ، فكان بينها وبين اللّه كل ما تحت السماء . ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية ، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة ، ثم ألّف بين القلوب على مذهب واحد ، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلا إلى التأليف بين ألسنة الأمم ومذاهب قلوبها ، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية في الأمم بأبدع منها . فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم ؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت

--> ( 1 ) وفي الحديث الشريف : « ليس منا من دعا إلى عصبية ؛ وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية » . وإنك لتستطيع أن ترجع كل بلاء الإنسانية في أهوالها وحروبها وطغيانها ومذلتها إلى كلمة العصبية ، لأن معناها في الحقيقة انقطاع بعض الإنسانية من بعض ظلما وعدوانا ، أو على ظلم وعدوان . ( 2 ) سنبسط فلسفة هذا المعنى في الفصل التالي .